علي بن أحمد المهائمي

61

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

العمل بمقتضاه ، والقلب جوهر مجرد في ذاته ، متصرف في البدن بواسطة النفس ، التي هي جسم لطيف ، تنبعث عنه القوى المدركة والمحركة ، متوسط بينها وبين الروح الذي هو من عالم الأمر ، وهو الجوهر المجرد في ذاته وأفعاله . والكلم : جمع كلمة ، وهي اللفظ الموضوع المفرد ، استعيرت لحقيقة الإنسان الكامل لجمعها ظهورات الأسماء الإلهية والحقائق الكونية مثل جمع الكلمة للحروف ، وقد تستعار الحروف للحقائق البسيطة حمدا للّه تعالى على إنزال الحكم لإفادتها السعادة الأبدية بتكميل القوة النظرية والعملية ، واعتبر إنزالها على القلوب ؛ لأن الإنزال عليها إنما يكون بعد الإنزال على الأرواح ، والإنزال عليها قد لا يسري أثره إلى القلب عند تكدره ، والنفس غير قابلة له إلا إذا تنوّرت بنور القلب بعد كمال التزكية ، فحينئذ يسري نور القلب إليها ، ثم منها على سائر الأعضاء ، فإن امتلأت نورا سرى على نفوس من يناسبهم ، ثم على سائر ما في العالم ، حتى يتم صلاح تمامه ، ولذلك خصّ الحمد بإنزال الحكم على القلوب ، وخصّ قلوب الكمّل إذ قلوب غيرهم غير مستعدة لقبول الحكم على الكمال ؛ إذ لا تخلو عن شائبة الوهم والخيال ، ولا يتأتى العمل منها بمقتضاها « 1 » . ( بأحدية الطريق الأمم ) ، الطريق : ما يوصل السير فيه إلى المقصد ، وأحديته جمعه فوائد الطرق ، كأنها تصير بعد تفرقها واحدة والأمم الأقرب ، وذلك طريق الكشف الجامع فوائد طرق النقل والعقل من الوصول إلى المقصد ، وهو تحصيل الكمالات العلمية والعملية مع الخلو عما يلزم طريق النقل من التقليد ، وطريق النظر من الشبهات الموجبة للتفرقة والبعد بترتيب المقدمات . ولذلك لا يكاد يرتفع اختلاف مذاهب أرباب النظر ( من المقام الأقدم ) ، أي : منزلها من التعين الأول المتضمن للعلم بالذات ، ومن التعين الثاني المتضمن للعلم بالأسماء والصفات ، وهما وإن ترتبا عقلا فهما أقدم من غيرهما في الوجود مساوقان فيه في الواقع ، وإنما اعتبرناهما ؛ لأنه لا بدّ للكمّل من العلم بالذات والصفات جميعا على وجه لا يحتمل الغلط والقصور ، وسائر المقامات لا تخلو عن أحدهما ، ومقام الإطلاق لا يعتبر فيه العلم أصلا ؛ فهو إنما ينزل من أحد التعينين على القلوب المناسبة له ، وهي التي أجازته مع غاية الصفاء فيها « 2 » .

--> ( 1 ) اعلم أيّدك اللّه وإيّانا بروح منه أنّ القلب عبارة عن النشأة الجامعة بين الحقائق الجسمانيّة والقوى المزاجيّة ، وبين الحقائق الروحانيّة والخصائص النفسيّة ، وهو جوهر برزخي له وجه إلى جميع الأطراف وله مقام المضاهات ، وأن يتّسع لانطباع التجلّي الذاتي الذي ضاق عنه العالم الأعلى والأسفل بما اشتملا عليه . ( 2 ) اعلم في قوله : ( من المقام الأقدم ) : أي أقدم من القديم ، وهو أحديّة الذات التي هي منبع فيضان -